3/7/2008
لالفشل الكبير
منذ سنوات دأبت جميع وسائل الإعلام ـ إلا واحدة ـ علي نشر كل ما يتعلق برجل الأعمال والسياسي أحمد عز.. وباعترافه شخصياً أجمعت كلها علي انتقاد دوره السياسي والاقتصادي معا.. ورغم ذلك لم نر عز يحاول اللجوء لنفس الوسائل الإعلامية أو للرد التبرير أو حتي التلميح وكأنه يقول للجميع "اضربوا رؤسكم في الحائط" فأنا أقوي من نقدكم واتهاماتكم التي لا أثر ولا تأثير لها.. لأنني أملك كل شيء.. والغريب أن هذه المعاني التي تفهم من سلوكه تجاه ما كان ينشر عنه لم تصب المجتمع ككل والصحافة والإعلام بصفة خاصة بالاحباط.. بل زاد اصرار الجميع علي تناوله بكل التفاصيل.. خاصة وأنه يوماً بعد يوم تزداد تفاصيله وتصل انفاسه إلي كل ركن في حياتنا اليومية.. وأصبح عز مادة دسمة يومية للقاريء والصحفي علي السواء.. وكلما زاد النقد زاد نفوذ عز أو ربما العكس صحيحا أيضاً.. استمر الحال علي هذا المنوال لسنوات وفجأة تتغير الأمور وتنقلب الأحوال ويقرر عز القيام بحملة إعلانية دعائية وصفوها "بغسيل السمعة" في أكثر من وسيلة إعلامية مقروءة ومرئية.. إذن وللوهلة الأولي فإن النتيجة المبدئية أن الإعلام أثر في أحمد عز خاصة عندما كان عنصراً فعالاً في صدور قوانين تمس مصلحة المواطن الشخصية وتلمس مع مصالح عز أيضاً.. لذلك كانت الاستجابة الشعبية لما يقوله الإعلام أقوي من أي وقت مضي.. وهو ما دفعه للقيام بمحاولة عاجلة لتصحيح الصورة..اختار مستشاراً للحملة سبق وحقق نجاحا باهراً في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.. حيث كان صاحب أنجح حملة إعلانية وكان يفترض أن تبدأ الحملة من جريدة روز اليوسف ثم تأجل الحوار عن الموعد المحدد.. لأن الرأي استقر أن تكون البداية من المصري اليوم إضافة إلي عدد من البرامج الجماهيرية في التليفزيون.. واستند الرأي أيضاً علي أن يكون برنامج مني الشاذلي في العاشرة مساءاً هو البداية.. ثم عدلت الخطة مرة أخري ونشر حوار روزا مع حوار المصري اليوم في نفس التوقيت.. ورغم أن حوار المصري اليوم استغرق أكثر من خمس ساعات.. إلا أن حوار روزا كان الأقوي.. لأن عبدالله كمال رئيس التحرير هو الذي تولاه شخصياً.. أما حوار المصري اليوم فشهد ظروفاً النتيجة غير مرضية فقد كان المتفق عليه أن يكون الحوار في صفحة منفرداً دون نشر أية تعليقات أو مقالات أخري معه.. ولكن ما حدث أنه تم نشر مقالات مضادة ناقدة في نفس صفحة الحوار.?
أما النقطة الفاصلة في الحملة والتي كان يفترض أن تكون بمثابة الإطلالة الأولي علي الجمهور في "نيولوك" جديد لأحمد عز يتحدث فيه بصراحة مع الرأي العام والخاص لعدة ساعات.. كانت ظهوره في العاشرة مساء وهو ما حدث في اليوم التالي لنشر الحوارات في الصحف.. وقد شهد الحوار كواليس كثيرة وغريبة قبل وبعد.. بداية من اختيار قناة دريم خصوصا.. وكان التفسير أن الحوار مجاملة من صاحبها أحمد بهجت رداً لجميل عز الذي لم يوافق في مجلس الشعب علي تحويل حكاية تسقيع الأراضي المتهم فيها بهجت إلي النيابة وكان الاتفاق علي الحوار مع سمير يوسف زوج مني الشاذلي والمنتج المنفذ لدريم.. المهم أن الحوار وضع مني الشاذلي في مأزق.. فإما أن تحافظ علي مصداقية برنامجها لدي الجمهور والالتزام بخطها السياسي القائم علي المواجهة التي ترضي الشارع.. وإما الالتزام بما يريده عز.. خاصة وأنه طالب بعدة شروط أهمها: عدم وجود فواصل إعلانية في البرنامج.. ورفض أي مداخلات من الصحفيين والسياسيين الذين يعتبرهم خصومه. وبدأ الحوار الذي استمر إلي ما بعد الواحدة ليلاً يعني أكثر من 3 ساعات تحدث عز في كل ما يريد.. واستقبل عدداً كبيراً من المداخلات والأسئلة.. ورغم مداخلة اللواء فاروق المقرحي والتي اكتسب فيها جماهيرية أكثر مما اكتسب عز طوال البرنامج.. إلا أن هناك من يؤكد أن النائب والصحفي مصطفي بكري الذي تقدم بالبلاغ الوحيد ضد عز للنائب العام يتهمه فيه بالاحتكار.. ظل علي الهاتف فترة طويلة دون أن يتمكن من المشاركة.. ومع ذلك كان لمكالمة اللواء المقرحي أثر كبير في توتر عز طوال الحلقة.. خاصة وأن الرجل نائب في مجلس الشعب ومسئول أمني كبير ومساعد وزير الداخلية عندما يقول علي الهواء مباشرة أنه بصفته الأمنية يعلم عنه الكثير وينتقده بقسوة ويجد صدي لدي الرأي العام خاصة في ظل الأزمة الطاحنة التي يشهدها "الحديد".?
حاول عز في الحوار التركيز علي محورين أساسيين.. الأول تبرئ نفسه من الاتهامات الموجهة إليه في احتكار الحديد.. وشبهة التدخل شخصياً في مشروع قانون الحكومة الخاص بمنع الممارسات الاحتكارية واصدار القانون بما يخدم مصالحه.. وهي التهمة الرئيسية لعز منذ اقرار القانون في المجلس، وثانيا: التأكيد علي أن كل طموحاته السياسية توقفت عند المنصب الذي يتولاه حالياً.. حاول الدخول في كل التفاصيل لدرجة أنه حاول كثيراً مقاطعة مني الشاذلي وعدم الاستجابة لاسئلتها في اصرار شديد علي سرد التفاصيل باعتبارها السبيل الوحيد لاقناع الرأي العام بأنه ليس سبباً في ارتفاع أسعار الحديد.. وأنه ليس محتكراً رغم اعترافه بأنه يستحوذ علي 06% من إنتاج الحديد في مصر.. في الوقت الذي يحدد فيه القانون نسبة 52% كنسبة يعد المنتج عندها محتكراً وعندما جاء الكلام عن دوره في قانون الاحتكار.. وأنه قام بتغيير مشروع القانون الذي قدمه وزير التجارة محمد رشيد ووافق عليه مجلس الشوري.. بل إنه زاد علي الغرامة التي حددها القانون بـ10% علي من تثبت ضده تهمه الاحتكار وجعلها 15%.. لكن عز ونواب الحزب الوطني ألغوا كل هذا وأقررها بمبلغ 300 مليون جنيه فقط.. مهما كانت قوة المنتج ومكانته في السوق.. كما غير أيضاً المادة التي تعفي المبلغ عن عملية الاحتكار من الغرامة.. واكتفي باعفاء المبلغ عن نصف الغرامة.?
أي أن أي شركة قررت التبلبغ عن عملية احتكار سوف تدفع 150 مليون جنيه لمجرد أنها قررت التبليغ.. إذن ظاهر المادة يقول إياكم أن يتجرأ أحدكم ويبلغ عن أي محتكر وإلا.. هذا التعديل هو الشيء الوحيد الذي اعترف عز أنه شارك في تغييره مبرراً ذلك بأن المبلغ ممكن أن يكون كيدي ويهدف إلي تعطيل الآخرين وينجو هو وشركته..والأكيد أن تبرير مشروع الحكومة أقوي لأنه يصب في النهاية لمصلحة المواطن حيث وجود الحافز لدفع البعض عن التبليغ. المهم أن عز نفي تماما أي علاقة له بمشروع القانون وأنه لم يكن موجوداً أثناء مناقشته واقراره واصر علي تكرار ذلك مراراً وتكراراً.. فهل يريد منا أن نصدق أنه لمجرد عدم وجوده داخل المجلس أو وجوده دون مشاركة مباشرة بالرأي يعفيه من الاتهام؟ بالتأكيد لن يصدق ذلك أحد لأننا جميعا نعلم أنه كمسئول التنظيم في الحزب الوطني.. يتخذ سياسة واضحة للجميع ومتكررة في أكثر من موقف.. حيث يقوم باستدعاء نواب الحزب الوطني عندما يتطلب الأمر اقرار أي قانون للحكومة لدرجة أنه يطمئن علي تواجدهم بالحجز لهم في أحد الفنادق والتأكيد علي حضورهم في اليوم التالي في المجلس وقد قام أكثر من مرة يمنح كل عضو بطاقة أو تصريحاً يقدمه أِثناء دخوله المجلس لتأكيد الحضور.. وفي داخل القاعة يكفي إشارة من يده يمينا أو شمالاً كي يوافق النواب أو يرفضوا وما حدث أثناء اقتراح مصطفي بكري اعفاء الشقة الأولي من الضرائب العقارية يثبت ذلك يقينا حيث طرح الاقتراح علي المجلس فوافق معظم الأعضاء.. ولكن عز رفض وأشار إلي الباقين بأن يتبعونه.. وفعلوا!!
إذن لا يحتاج الأمر إلي التدخل الشخصي أِثناء الجلسة لكي يتم لأحمد عز ما يريد من تعديل للقوانين أو اقرارها أو رفضها.. فهو أمين التنظيم القوي الذي يسيطر علي قرار نواب الحزب الوطني ويكيفية فقط أن يقوم بتوجيهم خارج المجلس أو داخل الحزب أو حتي تليفونياً لينفذوا ما يريد تعديلات علي هذا القانون أو ذاك.. لذلك فحجته أنه لم يكن موجوداً أو أنه لم يشارك مردوده.. ولم يقنع أحداً... حاول عز أيضاً أن يثبت أنه مجرد "ترس" في آلة الحزب الوطني.. وأن ينفي عن نفسه مظاهر القوة سواء كانت اقتصادية أو سياسية بأي شكل.. نتحدث مراراً عن أنه ينفذ آليات وسياسات اتفق عليها الحزب وربما كان هو من الذين اعترضوا أو انتقدوا هذا التوجه أو هذه السياسة ولكنه في النهاية يجبر كأمين تنظيم علي تنفيذ سياسة الحزب.. ونسي أن الإعلام لا يترك صغيرة أو كبيرة إلا وتحدث عنها بالشرح والتحليل.. ولم نسمع أن أحداً من أمانة الحزب طالب وألزم عز بأن يتم تعديل قانون الاحتكار.. وإلا فعليه أن يعلن لنا اسم المسئول الحزبي الذي اقتراح التعديلات.. ولكنه اكتفي أنها كانت رغبة الأعضاء والنواب فقط.. حيث جاءهم الالهام أثناء انعقاد الجلسة.. المهم أن الرجل أكد أن كل طموحاته السياسية تنحصر في موقعه الحالي وهذا الكلام غريب عن عالم السياسية تماماً.. خاصة وأنه إجاب علي سؤال المحاورة حول ما إذا كان قراره إذا خير بين إدارة امبراطورية عز وموقعه السياسي.. فكانت إجابته أنه سيختار موقعه الحالي.. أي أنه فضل السياسة دون التنازل عن الاقتصاد.. فهل يعني هذا أنه سيعيش عمره أمين تنظيم الحزب الوطني؟ وهل هذه طبيعة السياسية بالتأكيد الإجابة كانت تعني نفي أن يكون متطلعا لمنصب الرئيس أو نائب الرئيس علي الأقل.. وإلا كان علي الأقل تمني أن يعود رجل أعمال فقط.. وكان أيضاً أن فكرة الفصل بين العام والخاص نهائياً كما هو الحال في أمريكا ولكنه استشهد بما يحدث في بريطانيا.. حيث يحتفظ السياسي بممتلكاته ولكن يعين مديرين ولا يعرفهم لإدارتها.. فهل هذا هو النموذج الذي يريد؟ وهل سيقبل أن يدير شركاته أناس لا يعرفهم.. أم أن الأمر مجرد مبررات لاستمراه رجل أعمال ورجل حزب ورجل برلماني.?
مني الشاذلي حاولت مراراً الا يفلت الحوار من يديها.. وأقوي ما قالت ما لم تقله.. حيث عبرت بملامحها أكثر من مرة أنها لا تصدق الحجج والتبريرات التي يسوقها عز رداً علي الاتهامات.. كما أن الكلمات التي حاولت أن تختتم الحوار بها.. لم تنزل برداً وسلاما علي الضيف عندما قالت الكلمة الشهيرة "تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ولكنك لا تستطيع أن تخدعهم كل الوقت" مما دفع عز للتعليق عليها مؤكداً أنه صادق.. وأن الصدق من أسباب نجاحه.. فعلقت مني بأنها تقول ذلك للطرفين..?
عموما.. ربما تحتوي الحملة العزية علي الكثير وربما تستطيع تغيير الصورة لدي الرأي العام ولكن البداية لم تكن مقنعة.. ولن أحبطهم وأقول فاشلة.. ?
|