مشاهيرة

3/7/2008

لالفشل الكبير

منذ سنوات دأبت جميع وسائل الإعلام ـ إلا واحدة ـ علي نشر كل ما يتعلق برجل الأعمال والسياسي أحمد عز.. وباعترافه شخصياً أجمعت كلها علي انتقاد دوره السياسي والاقتصادي معا.. ورغم ذلك لم نر عز يحاول اللجوء لنفس الوسائل الإعلامية أو للرد التبرير أو حتي التلميح وكأنه يقول للجميع "اضربوا رؤسكم في الحائط" فأنا أقوي من نقدكم واتهاماتكم التي لا أثر ولا تأثير لها.. لأنني أملك كل شيء.. والغريب أن هذه المعاني التي تفهم من سلوكه تجاه ما كان ينشر عنه لم تصب المجتمع ككل والصحافة والإعلام بصفة خاصة بالاحباط.. بل زاد اصرار الجميع علي تناوله بكل التفاصيل.. خاصة وأنه يوماً بعد يوم تزداد تفاصيله وتصل انفاسه إلي كل ركن في حياتنا اليومية.. وأصبح عز مادة دسمة يومية للقاريء والصحفي علي السواء.. وكلما زاد النقد زاد نفوذ عز أو ربما العكس صحيحا أيضاً.. استمر الحال علي هذا المنوال لسنوات وفجأة تتغير الأمور وتنقلب الأحوال ويقرر عز القيام بحملة إعلانية دعائية وصفوها "بغسيل السمعة" في أكثر من وسيلة إعلامية مقروءة ومرئية.. إذن وللوهلة الأولي فإن النتيجة المبدئية أن الإعلام أثر في أحمد عز خاصة عندما كان عنصراً فعالاً في صدور قوانين تمس مصلحة المواطن الشخصية وتلمس مع مصالح عز أيضاً.. لذلك كانت الاستجابة الشعبية لما يقوله الإعلام أقوي من أي وقت مضي.. وهو ما دفعه للقيام بمحاولة عاجلة لتصحيح الصورة..اختار مستشاراً للحملة سبق وحقق نجاحا باهراً في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.. حيث كان صاحب أنجح حملة إعلانية وكان يفترض أن تبدأ الحملة من جريدة روز اليوسف ثم تأجل الحوار عن الموعد المحدد.. لأن الرأي استقر أن تكون البداية من المصري اليوم إضافة إلي عدد من البرامج الجماهيرية في التليفزيون.. واستند الرأي أيضاً علي أن يكون برنامج مني الشاذلي في العاشرة مساءاً هو البداية.. ثم عدلت الخطة مرة أخري ونشر حوار روزا مع حوار المصري اليوم في نفس التوقيت.. ورغم أن حوار المصري اليوم استغرق أكثر من خمس ساعات.. إلا أن حوار روزا كان الأقوي.. لأن عبدالله كمال رئيس التحرير هو الذي تولاه شخصياً.. أما حوار المصري اليوم فشهد ظروفاً النتيجة غير مرضية فقد كان المتفق عليه أن يكون الحوار في صفحة منفرداً دون نشر أية تعليقات أو مقالات أخري معه.. ولكن ما حدث أنه تم نشر مقالات مضادة ناقدة في نفس صفحة الحوار.?
أما النقطة الفاصلة في الحملة والتي كان يفترض أن تكون بمثابة الإطلالة الأولي علي الجمهور في "نيولوك" جديد لأحمد عز يتحدث فيه بصراحة مع الرأي العام والخاص لعدة ساعات.. كانت ظهوره في العاشرة مساء وهو ما حدث في اليوم التالي لنشر الحوارات في الصحف.. وقد شهد الحوار كواليس كثيرة وغريبة قبل وبعد.. بداية من اختيار قناة دريم خصوصا.. وكان التفسير أن الحوار مجاملة من صاحبها أحمد بهجت رداً لجميل عز الذي لم يوافق في مجلس الشعب علي تحويل حكاية تسقيع الأراضي المتهم فيها بهجت إلي النيابة وكان الاتفاق علي الحوار مع سمير يوسف زوج مني الشاذلي والمنتج المنفذ لدريم.. المهم أن الحوار وضع مني الشاذلي في مأزق.. فإما أن تحافظ علي مصداقية برنامجها لدي الجمهور والالتزام بخطها السياسي القائم علي المواجهة التي ترضي الشارع.. وإما الالتزام بما يريده عز.. خاصة وأنه طالب بعدة شروط أهمها: عدم وجود فواصل إعلانية في البرنامج.. ورفض أي مداخلات من الصحفيين والسياسيين الذين يعتبرهم خصومه. وبدأ الحوار الذي استمر إلي ما بعد الواحدة ليلاً يعني أكثر من 3 ساعات تحدث عز في كل ما يريد.. واستقبل عدداً كبيراً من المداخلات والأسئلة.. ورغم مداخلة اللواء فاروق المقرحي والتي اكتسب فيها جماهيرية أكثر مما اكتسب عز طوال البرنامج.. إلا أن هناك من يؤكد أن النائب والصحفي مصطفي بكري الذي تقدم بالبلاغ الوحيد ضد عز للنائب العام يتهمه فيه بالاحتكار.. ظل علي الهاتف فترة طويلة دون أن يتمكن من المشاركة.. ومع ذلك كان لمكالمة اللواء المقرحي أثر كبير في توتر عز طوال الحلقة.. خاصة وأن الرجل نائب في مجلس الشعب ومسئول أمني كبير ومساعد وزير الداخلية عندما يقول علي الهواء مباشرة أنه بصفته الأمنية يعلم عنه الكثير وينتقده بقسوة ويجد صدي لدي الرأي العام خاصة في ظل الأزمة الطاحنة التي يشهدها "الحديد".?
حاول عز في الحوار التركيز علي محورين أساسيين.. الأول تبرئ نفسه من الاتهامات الموجهة إليه في احتكار الحديد.. وشبهة التدخل شخصياً في مشروع قانون الحكومة الخاص بمنع الممارسات الاحتكارية واصدار القانون بما يخدم مصالحه.. وهي التهمة الرئيسية لعز منذ اقرار القانون في المجلس، وثانيا: التأكيد علي أن كل طموحاته السياسية توقفت عند المنصب الذي يتولاه حالياً.. حاول الدخول في كل التفاصيل لدرجة أنه حاول كثيراً مقاطعة مني الشاذلي وعدم الاستجابة لاسئلتها في اصرار شديد علي سرد التفاصيل باعتبارها السبيل الوحيد لاقناع الرأي العام بأنه ليس سبباً في ارتفاع أسعار الحديد.. وأنه ليس محتكراً رغم اعترافه بأنه يستحوذ علي 06% من إنتاج الحديد في مصر.. في الوقت الذي يحدد فيه القانون نسبة 52% كنسبة يعد المنتج عندها محتكراً وعندما جاء الكلام عن دوره في قانون الاحتكار.. وأنه قام بتغيير مشروع القانون الذي قدمه وزير التجارة محمد رشيد ووافق عليه مجلس الشوري.. بل إنه زاد علي الغرامة التي حددها القانون بـ10% علي من تثبت ضده تهمه الاحتكار وجعلها 15%.. لكن عز ونواب الحزب الوطني ألغوا كل هذا وأقررها بمبلغ 300 مليون جنيه فقط.. مهما كانت قوة المنتج ومكانته في السوق.. كما غير أيضاً المادة التي تعفي المبلغ عن عملية الاحتكار من الغرامة.. واكتفي باعفاء المبلغ عن نصف الغرامة.?
أي أن أي شركة قررت التبلبغ عن عملية احتكار سوف تدفع 150 مليون جنيه لمجرد أنها قررت التبليغ.. إذن ظاهر المادة يقول إياكم أن يتجرأ أحدكم ويبلغ عن أي محتكر وإلا.. هذا التعديل هو الشيء الوحيد الذي اعترف عز أنه شارك في تغييره مبرراً ذلك بأن المبلغ ممكن أن يكون كيدي ويهدف إلي تعطيل الآخرين وينجو هو وشركته..والأكيد أن تبرير مشروع الحكومة أقوي لأنه يصب في النهاية لمصلحة المواطن حيث وجود الحافز لدفع البعض عن التبليغ. المهم أن عز نفي تماما أي علاقة له بمشروع القانون وأنه لم يكن موجوداً أثناء مناقشته واقراره واصر علي تكرار ذلك مراراً وتكراراً.. فهل يريد منا أن نصدق أنه لمجرد عدم وجوده داخل المجلس أو وجوده دون مشاركة مباشرة بالرأي يعفيه من الاتهام؟ بالتأكيد لن يصدق ذلك أحد لأننا جميعا نعلم أنه كمسئول التنظيم في الحزب الوطني.. يتخذ سياسة واضحة للجميع ومتكررة في أكثر من موقف.. حيث يقوم باستدعاء نواب الحزب الوطني عندما يتطلب الأمر اقرار أي قانون للحكومة لدرجة أنه يطمئن علي تواجدهم بالحجز لهم في أحد الفنادق والتأكيد علي حضورهم في اليوم التالي في المجلس وقد قام أكثر من مرة يمنح كل عضو بطاقة أو تصريحاً يقدمه أِثناء دخوله المجلس لتأكيد الحضور.. وفي داخل القاعة يكفي إشارة من يده يمينا أو شمالاً كي يوافق النواب أو يرفضوا وما حدث أثناء اقتراح مصطفي بكري اعفاء الشقة الأولي من الضرائب العقارية يثبت ذلك يقينا حيث طرح الاقتراح علي المجلس فوافق معظم الأعضاء.. ولكن عز رفض وأشار إلي الباقين بأن يتبعونه.. وفعلوا!! إذن لا يحتاج الأمر إلي التدخل الشخصي أِثناء الجلسة لكي يتم لأحمد عز ما يريد من تعديل للقوانين أو اقرارها أو رفضها.. فهو أمين التنظيم القوي الذي يسيطر علي قرار نواب الحزب الوطني ويكيفية فقط أن يقوم بتوجيهم خارج المجلس أو داخل الحزب أو حتي تليفونياً لينفذوا ما يريد تعديلات علي هذا القانون أو ذاك.. لذلك فحجته أنه لم يكن موجوداً أو أنه لم يشارك مردوده.. ولم يقنع أحداً... حاول عز أيضاً أن يثبت أنه مجرد "ترس" في آلة الحزب الوطني.. وأن ينفي عن نفسه مظاهر القوة سواء كانت اقتصادية أو سياسية بأي شكل.. نتحدث مراراً عن أنه ينفذ آليات وسياسات اتفق عليها الحزب وربما كان هو من الذين اعترضوا أو انتقدوا هذا التوجه أو هذه السياسة ولكنه في النهاية يجبر كأمين تنظيم علي تنفيذ سياسة الحزب.. ونسي أن الإعلام لا يترك صغيرة أو كبيرة إلا وتحدث عنها بالشرح والتحليل.. ولم نسمع أن أحداً من أمانة الحزب طالب وألزم عز بأن يتم تعديل قانون الاحتكار.. وإلا فعليه أن يعلن لنا اسم المسئول الحزبي الذي اقتراح التعديلات.. ولكنه اكتفي أنها كانت رغبة الأعضاء والنواب فقط.. حيث جاءهم الالهام أثناء انعقاد الجلسة.. المهم أن الرجل أكد أن كل طموحاته السياسية تنحصر في موقعه الحالي وهذا الكلام غريب عن عالم السياسية تماماً.. خاصة وأنه إجاب علي سؤال المحاورة حول ما إذا كان قراره إذا خير بين إدارة امبراطورية عز وموقعه السياسي.. فكانت إجابته أنه سيختار موقعه الحالي.. أي أنه فضل السياسة دون التنازل عن الاقتصاد.. فهل يعني هذا أنه سيعيش عمره أمين تنظيم الحزب الوطني؟ وهل هذه طبيعة السياسية بالتأكيد الإجابة كانت تعني نفي أن يكون متطلعا لمنصب الرئيس أو نائب الرئيس علي الأقل.. وإلا كان علي الأقل تمني أن يعود رجل أعمال فقط.. وكان أيضاً أن فكرة الفصل بين العام والخاص نهائياً كما هو الحال في أمريكا ولكنه استشهد بما يحدث في بريطانيا.. حيث يحتفظ السياسي بممتلكاته ولكن يعين مديرين ولا يعرفهم لإدارتها.. فهل هذا هو النموذج الذي يريد؟ وهل سيقبل أن يدير شركاته أناس لا يعرفهم.. أم أن الأمر مجرد مبررات لاستمراه رجل أعمال ورجل حزب ورجل برلماني.?
مني الشاذلي حاولت مراراً الا يفلت الحوار من يديها.. وأقوي ما قالت ما لم تقله.. حيث عبرت بملامحها أكثر من مرة أنها لا تصدق الحجج والتبريرات التي يسوقها عز رداً علي الاتهامات.. كما أن الكلمات التي حاولت أن تختتم الحوار بها.. لم تنزل برداً وسلاما علي الضيف عندما قالت الكلمة الشهيرة "تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ولكنك لا تستطيع أن تخدعهم كل الوقت" مما دفع عز للتعليق عليها مؤكداً أنه صادق.. وأن الصدق من أسباب نجاحه.. فعلقت مني بأنها تقول ذلك للطرفين..?
عموما.. ربما تحتوي الحملة العزية علي الكثير وربما تستطيع تغيير الصورة لدي الرأي العام ولكن البداية لم تكن مقنعة.. ولن أحبطهم وأقول فاشلة.. ?



3/7/2008

حد فاهم حاجة

موسم الشهوة والثراء الفاحش بدأ?
مصر تخلع ملابسها?
في الصيف الماضي تفجرت أزمة مياه الشرب في البرلس بكفر الشيخ،وجد الناس البسطاء انفسهم بل ماء لعدة أسابيع،خرجوا عن شعورهم،أحسوا أن لا أحد يهتم بهم أو يقدرهم أو حتي يبقي علي حياتهم،قرروا أن يعلنوا عن أنفسهم وعن غضبهم وسخطهم علي الظلم الذي يشعرون به،قطعوا الطريق الدولي،فحدثت أزمة هزت النظام،خرج المحافظ ليقول ببساطة إن هناك قوي خارجية تريد أن يهتز استقرار مصر وأمنها،لم يتخيل للحظة أن هناك أزمة تكاد تعصف برعاياه فاختار التفسير الأسهل والأبسط،وهو ما أزعج الجميع،فالنظام لا يشعر بأحد ولا يريد أن يقوم بمسئولياته تجاه الناس.?
زاد من قسوة الأمر التقارير التي صدرت بعد ذلك تفسر ما جري،قيل إن مصايف الكبار احتاجت أكبر كمية من مياه الشرب،وهو ما جعل المسئولين يحولون المياه إلي الساحل الشمالي،وتخيلوا قسوة وقع هذا التفسير علي الناس،إن الكبار الذين يقضون شهور الصيف الطويلة علي شواطئ الساحل الشمالي لا يستخدمون المياه العادية في الشرب،لديهم المياه المعدنية التي يشربونها عن وسع حتي تحميهم من الأمراض،إنهم يستخدمون مياه الشرب في الاستحمام بعد أن يخرجوا من البحر،مياه الشرب كان يتم إهدارها إذن،وليذهب الفقراء إلي الجحيم.?
ولأنه لا شيء في مصر يمكن ان يتغير بسهولة،فإن ما حدث العام الماضي يمكن ان يتكرر هذا العام أيضا،وليستعد الفقراء من الآن ليدفعوا ثمن رفاهية الأغنياء المبالغ فيها،وهي رفاهية لا يحرص الأغنياء علي ممارستها فقط،ولكنهم يظهرونها ويتفاخرون بها وكأنهم يريدون من الجميع أن يراهم وهم علي الشواطئ والحفلات الليلية الصاخبة،يسربون بأنفسهم أخبارهم التي تقتات عليها جلسات النميمة،وهي نميمة يختلط فيها المال بالسلطة،وتتراقص فيها الشهوة علي أطراف إثبات الذات،وهم كذلك الذين يستسلمون لكاميرات المصورين الذين يجعلون من الساحل الشمالي قبلتهم في الصيف،يتعاملون مع الكاميرا وكأنها صديقة لهم،يستعرضون اجسادهم العارية امامهم وكأنهم يبعثون برسالة لأحد.?
في شهور الصيف تتحول مصر كلها إلي شاطئ كبير،وينقسم الناس فيها إلي فريقين،الأول يقف علي المسرح يمارس كل ما يريده بحرية مطلقة،والفريق الثاني يقف مشاهدا ومتفرجا لا يملك من الأطر شئيا اللهم الإ الرفض أو تدقيق النظر برغبة واضحة ومفضوحة،منذ سنوات اعتبر البعض أن نشر صور أفراح الأثرياء- وهي أفراح كانت تتكلف الملايين،لدرجة أن تكلفة ليلة الزفاف فقط تكفي لتزويج شباب قرية مصرية كاملة- نوع من الاستفزاز الاجتماعي التي لابد أن تتوقف،وذهب الدكتور جلال أمين أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية والمهتم بدراسة البشر وسلوكهم في مصر،إلي أن الفقراء لا يعارضون مطلقا في نشر صور أفراح المشاهير والأثرياء الفاحشة،بل إنهم يقبلون عليها ويدققون فيها،ففي جانب من نشر الصور عزاء للفقراء،فهم يعرفون أنهم لن يصلوا مطلقا إلي درجة الثراء التي يرونها أمامهم،ولن يكون مقدرا لهم في يوم من الأيام أن يحضروا فرحا مثل هذا لا أن يعملوه لأحد أبنائهم،ولذلك فهم يأخذون من هذه الافراح دليل إدانة لهذه الطبقة التي تنفق الملايين علي ليلة واحدة،فمؤكد أن هذه الملايين جاءت عن طريق غير مشروع من طرق حرام،فهم ينفقونها بهذه الصورة لأنهم لم يتعبوا فيها مطلقا لا من قريب ولا من بعيد.?
لا يمكن لنا أن نعتبر هذا التفسير صحيحا علي إطلاقه لكنه علي الأقل كان مريحا ولا يزال،فما أعجز عن تحقيقه أدينه وأرفضه وأشوهه حتي اطمئن إلي انني أسير في الطريق الصحيح حتي لو كنت في قرارة نفسي أريد أن أكون مثل هؤلاء الذين انتقدهم ولا أرضي عنهم.?
ما حدث مع صور الأفراح زمان يحدث الآن مع صور المصايف الصاخبة والساخنة،تشعر من خلال صفحات المجتمع في المجلات الفاخرة والملونة وحتي الصحف العادية أن مصر كلها انتقلت إلي الشاطئ،ناس من كل شكل ولون،وبشر عندما تنظر في وجوههم تشعر انهم يحتاجون للمساعدة والشفقة وإذا رأيتهم يسيرون إلي جوارك في الشارع يمكن ان تخرج من جيبك بعض الجنيهات لتمنحها لهم،لكن فجأة تكتشف ان هؤلاء يملكون الملايين ويملكون أرقي الأماكن ويركبون أفخم السيارات،ويقضون اجازاتهم في أغلي الاماكن.?
اللافت للنظر في الصيف المصري الحديث أن الجميع يحرص علي أن يقف أمام الكاميرا رجالاً ونساء وأطفالاً وهم عرايا تماما،لا يكتفون بذلك بل يستدعون الكاميرات لاستعراض مواهبهم ومفاتنهم وقدراتهم،وقد يكون من المضحك أن نري صور صغارنا وهم عرايا تماما نتندر عليهم ونضحك من براءتهم،وفي الغالب يحتفظ الكثيرون منا بصور ونحن عرايا،لكن ما الداعي أن يقف رجل طويل عريض ليتصور وهو عار يضع يده علي كتف صديقته العارية هي أيضا،وما الداعي أن يجلس هذا الرجل نفسه وهو عار أيضا ليدخن الشيشة واضعا يده علي نفس كتف صديقته.?
الصور العارية أصبحت فنا في حد ذاته وتشعر وهي تتوالي عليك ان هناك من يريد أن يحصل علي جائزة لأحسن صورة عارية،نساء في مختلف الأوضاع وبمختلف الأحجام،كل واحدة تركز في الكاميرا وكأنها تريد أن تقتحمها بعينيها،لتعلن عن نفسها وكأن كل ما تملكه هو جسدها فلا مانع من أن تباهي به.?
هذه الظاهرة فوق انها تحتاج إلي تحليل اجتماعي إلا أنها تحتاج إلي تفسير نفسي أيضا،لا اعتراض عندي بالطبع علي أن يأخذ الإنسان أجازة،أن يخرج من جو عمله الخانق المرهق،ليتحرر من كل قيوده،ولا اعتراض كذلك علي أن يسلك الإنسان مهما كان عاقلا ووقورا أن يعمل في أجازته أراجوز وبهلوان وقرد يصنع عجين الفلاحة،هو حر في حياته،لكن ليس من الطبيعي ان يحرص شخص وقور وناجح في عمله ومؤكد أنه يريد أن يحافظ علي صورته ان يظهر بصورة هزلية يسمح للآخرين أن يسجلوا عليه اللحظة،لا أتردد بالطبع في أي صورة تصلني من قبيلة هذه الصور،لكنني أتعجب من الذين يحرصون علي أن تلتقط لهم صور بهذه الكيفية.?
قد يفسر البعض ما اكتبه الآن علي انه اعتراض لطريق طبقة تريد ان تعيش كما تريد،وهو من حقها تماما ولا اعتراض لي عليه،لكن الاعتراض علي أن يكون نمط الحياة هذا فيه استفزاز لطبقات يموت ابناؤها وهم يجاهدون في طوابير العيش،لا يستطيعون ان يحصلوا علي طعام عشائهم فيكملون عشاءهم نوما، لا يجدون الماء ليشربوه وفجأة يعرفون ان حصتهم من المياه تذهب للأغنياء الذين يستهلكون الماء بنفس الثمن،ويعرفون ان هؤلاء الغنياء انفسهم يستخدمون هذا الماء لري ملاعب الجولف،فهم من أجل أن يقضوا وقتا لطيفا في لعب الجولف يموت من أجل هذا الكثيرون.?
إن مصر كلها الآن تخلع ملابسها، لكن حتي في خلع الملابس لنا مذاهب،هناك من لا يرتدي ملابس فقرا فهو عار من كل شيء،وهناك من يخلع ملابسه رفاهية واستعراضاً ونيو لوك ورغبة في الظهور،لن نقترب من حالة الانفلات الكاملة التي تحدث في هذه المنتجعات،فالأحكام بالنسبة لي ليست أخلاقية مهما جري،فما دمت تفعل شئيا لا يضرني ولا يضر الآخرين فأنت حر حتي لو كان ما تفعله يمكن أن يضرك أنت شخصيا. مصر من الأسبوع القادم ستتحول إلي صورة واحدة،امرأة عارية علي البحر،ولا فرق أن يكون الشاطئ للعراة أو يكون للمحجبات،هنا في العاصمة ستجد الزحام اخف كثيرا فالذين يزحمون الشوارع بسياراتهم وصفقاتهم الصاخبة سيكونون بعيدا،الجميع في إجازة مجلس الشعب..الجامعات...القضاة...رجال الأعمال يقضون أيامهم ما بين القاهرة والساحل الشمالي،الطريق إلي هناك يشتعل بالسيارات المسرعة،وإذا حدث ووقعت حادثة راح فيها أحدهم تجدهم يرتدون فجأة الي الله يتذكرونه،وتجدهم ملتزمون غاية الالتزام،لكنها أيام قليلة ويعود كل شيء إلي ما كان، إنهم ليسوا منا،ليسوا من الشعب الذي يكافح لمجرد أن يعيش،يطفح الكوتة كما يقولون من أجل أن يعلم أبناءه طمعا في فرصة عمل أو لنقل جريا وراء فرصة حياة،فأن تعيش الآن في مصر مجرد أن تعيش فهذا يحتاج إلي فرصة.?
التناقض هائل لا يستطيع أحد ان ينكر ذلك،البلد بلدان ،مصر أصبحت مصران،واحدة يحتلها أفراد قليلون هم وعائلاتهم،يأخذون منها كل شيء بلا عناء،وواحدة يعيش فيها الغالبية العظمي التي يبدو ان الأيام حكمت عليهم أن يعيشوا وكأهم عبيد لا حقوق لهم في البلد وليحمدوا الله ان ملاك البلد تركوهم يعيشون فيها بسلام،فهل يعيشون ويريدون بعد ذلك أن يحصلوا علي حقوقهم.?
يمكن ان يقودني هذا التناقض لأن أقول مثل كثير من المتفائلين من الكتاب والمثقفين والشعراء أن البلد قادمة علي كارثة وأن الجياع سيثورن وسيحطمون الأغلال والقيود وسيجبرون الأغنياء علي ان يهربوا من البلد،لكن هذا في الحقيقة تصور ساذج جدا،فلا أحد سيثور ولا احد سيحطم القيود والأغلال،المصريون يحلون مشكلاتهم بطريقتهم الخاصة،لن يضيعوا وقتهم في العمل والنضال والكفاح من اجل التغيير،كل من يستطيع ان يصعد بنفس الطريقة وينضم للأغنياء يعيش معهم ويمارس الحياة علي طريقتهم سيفعل ذلك علي الفور دون أي تردد،فما الذي يجعله يرهق نفسه طالما ان الحياة يمكن ان تعاش بلا تعب،وأن يهنأ بمجاورة الأثرياء دون أن يبذل مجهودا يذكر،وساعتها سيذهب الجميع إلي هناك حيث الشاطئ الذي يخلع عليه الجميع ملابسهم ليصبحوا كما خلقهم ربهم،وللأسف الشديد لا يحدث ذلك بغرض التطهر ولكن لاستعراض العري القبيح ....وهو عري النفوس لا عري الأجساد ....عري الأرواح لا عري الأبدان...كفانا الله وإياكم شر السقوط.?
محمد الباز?



 


السابق الأول