رئيس مجلس الإدارة: د. عمرو الليثيرئيس التحرير التنفيذي: حسن الشيخ
السيسي وبن سلمان يصلان دار الأوبرا لمشاهدة «سلم نفسك» مستشارة صندوق تحيا مصر: «رفع أسعار البنزين والسولار أعظم إنجاز للسيسي» مطار القاهرة يستقبل ٣٨٤ كيلو ذهب خام من منجم السكري المحرومون من التصويت في الانتخابات الرئاسية ولي العهد السعودي يشكر الكنيسة على ضبط النفس تجاه الأحداث الإرهابية تفاصيل لقاء شيخ الأزهر بولي العهد السعودي السيسي وبن سلمان يفتتحان منتجع الفرسان في الإسماعيلية الطيب وولي العهد السعودي يفتتحان الجامع الأزهر بعد ترميمه السيسي وبن سلمان يتفقدان أنفاق قناة السويس كامل الوزير: أنفاق القناة تختصر مدة العبور لسيناء إلى 20 دقيقة فقط «الأرصاد»: انخفاض طفيف في درجات الحرارة غدا.. والعظمى في القاهرة 30 اتفاقيات السيسي وبن سلمان تتصدر الصحف السعودية

المقالات

تباريح جريح

فقدت مصر برحيل الأستاذ «صلاح عيسى» الكاتب السياسى.. والمؤرخ العصرى.. والصحفى العتيد واحداً من أهم فرسان القلم الذى لقب «بجبرتى العصر» بعد رحلة شاقة ومضنية دفع فيها بشرف كلمته وجسارته فى التعبير عن وجهات نظرة الكثير من حريته داخل أسوار المعتقلات فى عصرى «جمال عبد الناصر» و«أنور السادات».. وسجل الكثير من معاناته فى مؤلفاته التى بلغت أكثر من عشرين كتاباً موثقاً يعيد من خلاله كتابه «تاريخ مصر» فى المائة عام الأخيرة ابتداء من كتاب «الثورة العرابية» مروراً بـ«حكايات من دفتر الوطن - «هوامش المقريزي» - «تباريح جريح» - «الكارثة التى تهددنا» - «مثقفون وعسكر» – «دستور فى صندوق القمامة» - «بيان مشترك ضد الزمن» - «رجال ريا وسكينة» – «البرنسيسة والأفندي» – إنتهاء بـ«شخصيات لها العجب».. 
هذه الكتب يشتبك فيها المؤرخ مع الحاضر باسقاط الماضى عليه واستخلاص المغزى السياسى والفكر الإنسانى منه.. من خلال حكايات شيقة وجذابة ذات صياغة أدبية بليغة.. يحمل فيها هموم وطن مثخن الجراح.. ويستشرف مستقبلاً مغايراً.. ويعبر عن أوجع الضحكات التى تنتهى بالدموع. 
يحكى «صلاح عيسى» أنه فى لقاء به مع الأستاذ «محسن محمد».. الرئيس الأسبق لتحرير جريدة الجمهورية الذى طلبه لمقابلته بعد خروجه من المعتقل عام (1975).
وطلب منه أن يكتب ما يعجبه دون وجود محظورات ثم استدرك مردداً : بس مالكش دعوة بالقوتين الأعظم فأدرك أنهم لا يريدون أى نقد للعلاقات المصرية -الأمريكية ومعنى ذلك طرده من صفحات السياسة العربية والدولية. 
ثم استدرك مرة أخرى وقال: 
- وكمان بلاش حكاية الصراع الطبقى والطبقات.. 
فأدرك صلاح أنهم يريدون إجلاءه عن الكتابة فى صفحات السياسة الداخلية والمحليات.. 
ثم استدرك مرة ثالثة» 
ومالكش دعوة لا بالثقافة ولا الفنون.. ولا الإعلام. 
يواجهه «صلاح عيسى» ساخراً.. 
- طيب ما تدور على كاتب ميت يكتب فى صفحة الوفيات 
واندفعا يضحكان.. 
وفى مقال طويل ترثى فيه الكاتبة القديرة «سناء البيسى» الحكاء الرائع «صلاح عيسى» تحكى عن علاقة إنسانية وطيدة ربطت بينه وبين «فؤاد باشا سراج الدين» من خلال تواجدهما فى زنزانة واحدة بسجن ملحق طرة ومعهما «محمد عبد السلام الزيات» النائب السابق لرئيس الوزراء.. وقد جمعت السلطات بين ثلاثتهم بتياراتهم المختلفة وحقبهم التاريخية المتباينة وسياساتهم المتصارعة فى مكان ضيق ليزيد من جحيم إقامتهم.. وعلى عكس المنتظر ساد بينهم الوئام حتى أن «صلاح» كان يأخذ برأس فؤاد» باشا الملتهب بالحمى ليوسده ساقه ليضع له الكمادات المبللة المصنعة من أكمام الفانلات.. ولصغر سنه عنهما ولأنه أوفر منهما صحة كان يعفيهما من بعض ما يشق عليهما من أعمال تتطلبها المعيشة المشتركة فى مكان ضيق.. فكان ينوب عنهما فى كنس الزنزانة ونشر البطاطين وتنفيضها.. وكانا حريصين على أن يشعراه طوال الوقت بامتنانهما.. وعن «فؤاد» باشا قال «صلاح» إنه لم يسمعه لحظة واحدة يشكو أو يتأفف أو يضيق بظروف السجن.. وكان ينتقى من طبق طعامه السيئ المفروض عليهم ما يتناسب مع أمراضه الكثيرة المتعددة.. وكان لا يزيد عادة عن بعض الخضروات الطازجة.. وحين كان «صلاح» يحاول التنازل له عن نصيبه منها.. كان الأمر يحتاج إلى مناقشة مجهدة.. ويؤكد «صلاح» فى حديث مع «سناء البيسي».. أنه خلال الأسابيع التى أمضاها مع «سراج الدين» وراء القضبان أمكن له التعرف إلى مزاياه الإنسانية.. وفوجئ به رجلاً أليفاً فى غير ترخص.. متواضعاً فى غير صنعة وكبيراً بلا تكبر.. يمتلك قدرة تؤهله لاكتساب مودة الآخرين.. ولا يترك فرصة تمر بدون أن يجد أرضية مشتركة تجمع بينهما وبينه لقد تجاوزا عن موقفهما السياسى والحزبى.. فهذا باشا يمينى.. وذاك مناضل يسارى.. وحدث بينهما معاناة السجن.. كما توحد هموم الوطن بينهما.. وهو الشعار الذى رفعه الأسطى «بدار» الحلاق فى فيلم «فوزية البرجوازية» الذى كتبت له السيناريو والحوار قائلاً لجيرانه وهم يشاهدون معركة شرسة تنشب بين أهل الحى.. ويحثهم على فضها.. (أنا لا يمينى ولا يسارى.. أنا ابن بلد.. وحا أعيش وأموت ابن بلد.. ياللا يا رجالة نفض العركة)..
وفى فصل طريف من فصول كتاب «تباريح جريح» يقارن «صلاح عيسى» بين «عبد الحليم حافظ» و«عدوية» فيقول إن «عدوية» الذى ولد فى حياة «عبد الحليم» وانتشر وهو فى سنوات تألقه الأخيرة بل استطاع أن يهزمه فى دورى بيع الإسطوانات فارتفعت مبيعات مطرب «السح الدح إمبو» عن العندليب الأسمر بنسبة تزيد على 25%.. وهكذا تقدم «عدوية» من فرد من أفراد الكورس يجلس فى الصف الأخير إلى مطرب من مطربى الصف الأول بسهولة تامة لم ينتبه أحد لدلالتها.. وأصبح «فارس الأوان»  «ومغنى الزمان» وفشل كل الذين لم يعجبهم ذلك فى أن يجدوا حائطاً على سطح هذا الكوكب العربى العجيب لا يختبئ وراءه «عدوية» فقد انتشر الرجل كألاعيب السياسة ونفاق الصحف وأكاذيب العشاق وعيون البصاصين وظهر فى كل مكان ككسينجر وكالجوع الجنسى وكالفقر وكفوائض النفط.. يتصاعد صوته من المسجلات الكهربائية فى الشوارع والدكاكين والبيوت.. 
ولأن الأيام دول.. والدنيا يوم لك.. ويوم عليك.. والفصل الأخير من قصتك.. هو الفصل الأول من قصة غيرك.. فقد كان منطقياً أن يكون «أحمد عدوية» هو خليفة «عبد الحليم حافظ» وأن يهزمه فى السنوات الأخيرة من عمره فيفوز عليه فى دورى بيع الإسطوانات.. فالدنيا كانت تتطور.. ولكن بالمقلوب.. وتتقدم ولكن إلى الخلف.. وكانت تتموع ولا تتنوع.